محمد أبو زهرة
2202
زهرة التفاسير
معنى التزيين والتحسين ؛ لأن الحبر هو الأثر الحسن ذو الرونق ، ويكون المعنى : الذين يجمعون العلم ويدرسونه ويزينونه بالقول الحسن والتطبيق الجيد ، أو هو مأخوذ من الحبر مادة الكتابة لعنايتهم بتدوين علمهم وعرضه للناس ، وإبقائه أثرا خالدا من بعدهم ، والمفسرون على أن الربانيين والأحبار نوعان قد طبقوا حكم التوراة فالأولون صفت نفوسهم وربوها بالعلم والعبادة ، والآخرون جمعوا العلم ورتبوه وعرضوه ، وعلى هذا التفسير الذي يجعلهم نوعين متغايرين ، نوجه القول فيه بأن الذين قاموا على التوراة صنفان : أحدهما - جمع علمها واستخرج ينابيعها ، وأحاط بها ، وآخرون طبقوها في الأقضية ، أي أن الفقهاء وهم الأحبار قدموا خلاصة ما علموا نقيا محبرا تحبيرا جيدا ، والآخرون وهم الربانيون طبقوه مجردين أنفسهم من كل شهوة وهوى ، فالضعيف عندهم قوى ، حتى يأخذوا الحق له والقوى منهم ضعيف حتى يأخذوا الحق منه ، كما يفعل الربانيون من أمة محمد أبو بكر وعمر وعثمان وعلى وغيرهم رضي الله عنهم ، وقدم الربانيون على الأحبار ؛ لأنهم الذين يطبقون العلم على العمل ، والمقام في الآية هو مقام التطبيق ، فالعمل الواضح هو عمل الربانيين ؛ لأنهم الذين يحكمون بحكم التوراة ، وقد خص الله تعالى الفريقين بقوله تعالت كلماته : بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتابِ اللَّهِ وَكانُوا عَلَيْهِ شُهَداءَ . « الباء » هنا متعلقة ب « يحكم » ، أي أن النبيين والربانيين والأحبار يحكمون بما في التوراة لأنهم حملوا أمانة حفظ كتاب الله ، بحيث لا يضيعونه ، ولا يهملون أحكامه ، وقد يقال إنها متعلقة بالربانيين والأحبار ، على معنى أنهم أوتوا هاتين المنزلتين منزلة الربانية والعلم بسبب أنهم حملوا أمانة الكتابة وقاموا ، و « اسْتُحْفِظُوا » بالبناء للمجهول فيه بيان أنهم بمقتضى ما منحوا من صفات عهد إليهم أمر المحافظة على كتاب الله المنزل على نبيه ، والمراد بكتاب الله هنا التوراة ، وعبر عنها بكتاب الله تعالى للإشارة إلى منزلتها إبان نزولها قبل تحريفها ، وإلى شرف من يقومون بحفظها ، وإلى مكان التكليفات والأحكام التي اشتملت عليها ، والاستحفاظ هو الحفظ المطلوب ؛ إذ إن السين والتاء للطلب ، والمعنى : أن الربانيين